الجمعة، 26 سبتمبر 2008

قصر نظر رائع

قصر نظر رائع بطريقة أخرى
منى برنس

مقدمة أولى:
يدفعني إلى كتابة هذا النص – النص الجميل – "قصر نظر رائع" لنورا أمين والذي ذكرني على الفور ببدايات قصر نظري المشوشة.
مقدمة ثانية:
كان من الممكن ألا أصاب بقصر النظر مبكراً إذا كانت قد واتتني الشجاعة لإخبار أبي بالحقيقة في الوقت المناسب.. لكنني خجلت.
الحكاية:
كنت تلميذة في الصف الخامس الإبتدائي في مدرسة مشتركة.. طفلة في التاسعة من العمر، كثيرة الحركة ورغاية.. لذلك كنت أحب الجلوس في الصف الأخير في الفصل حتى يسهل اختفائي عن أعين المدرسين خاصة وأنني قصيرة لكن أسامة كان دائماً يجلس في أول صف لأن نظره ضعيف ويلبس نظارة – أنا وأسامة كنا دائماً نتكلم مع بعض بين الحصص وبعضها.. أول ما جرس الحصة يضرب يقفز من على الأدراج الأخرى حتى يصل إلى الصف الذي أجلس به فنبدأ الكلام واللعب والشجار.. كنا دائماً نلعب ملك وكتابة والأسماء, وكثيرا ماً كنا نتخانق على الأسماء خاصة لما يكون اسم مشترك لولد وبنت في نفس الوقت زي تيسير مثلاً .لكن اللعبة المفضلة والتي كنا نلعبها في الفسحة هي لعبة عريس وعروسة, كنت بحب جداً هذه اللعبة أنا وأسامة.. عريس وعروسة وبقية الفصل يزفنا. كان كل بنت لها عريس والأولاد الزيادة كانوا بيتفرجوا علينا أو يأنججوا بعض وكل يوم نزف اتنين ونغني اتمخطري يا زينة.. وندق على الكتب والكراريس أو على الأدراج إذا كنا في الفصل. في الأول, المدرسين كانوا بيتفرجوا علينا ويضحكوا. بعد كده بقوا يزعقوا لنا ويقولوا دي قلة أدب.
" أنت يا بنت يا قليلة الأدب إنت.. إيه اللي بتعمليه ده؟"
زعقت لي أنا مع أن أسامة هو اللي باسني مش أنا.
نظرت الى أسامة.. كان ينظر إلى الأرض ووجهه أحمر جداً.
شدتني الميس من ذراعي وهددتني.
" لو شفتك بتعملي كده تاني هوديكي للناظرة وهقول لباباكي.. فاهمة."
من ساعتها لم نلعب لعبة العريس والعروسة. لكن كنت طول الوقت بعتبر نفسي عروسة أسامة.. وجدت نفسي أحبه بالفعل.. ولأنه يرتدي نظارة ولأنني أحبه وأريد أن أشبهه وأن أقترب منه أكثر، كان يجب، هكذا فكرت، أن ألبس نظارة مثله.. ولكن كيف... في الأول, قلت لمدرسة الفصل, ميس آمال مدرسة الإنجليزي, أنني أريد أن أجلس في الأمام جنب أسامة لأنني لا أرى جيداً من الخلف.. لم تصدقني.

" بس أنا فعلاً ما بشوفش.. بشوف الحاجة اتنين بشوف كل حرف حرفين وعيني بتوجعني.".
لم يكن نظري ضعيفاً على الإطلاق.. ولست أدري كيف ومتى نبت هذا الرد في رأسي لكن من المؤكد أن تأثيره كان قوياً جداً لدرجة أن ميس آمال أخذتني إلى الناظرة وقالت لها استدعي ولي أمرها.. البنت بتقول إنها بتشوف الحاجة اتنين.. سألتني الناظرة إذا كان هذا الكلام صحيحاً.. أومأت برأسي وبدأت أبكي. ظنت الناظرة أن ذلك يعود إلى قلقي على عيني فحاولت تهدئتي.. لكن الحقيقة هي أنني خفت جداً لأني لم أتوقع أن يصل الموضوع لبابا. كل ما أردته هو أن أجلس في الصف الأمامي جنب أسامة. ظننت أن ميس آمال سوف تفعل ذلك لأنها تحبني.. لكنها بدلاً من ذلك أخذتني للناظرة كي تخبرها بحالة نظري.. ربما فعلت ذلك بدافع الحب أيضا..ً لكن أن يصل الخبر لأبي حسناً.. ليكن.. لا يمكنني التراجع الآن.. كما أنني أريد أن ألبس نظارة مثل أسامة.. ليخبروا أبي إذن.
عندما أتى أبي في نهاية اليوم لاصطحابي إلى البيت فوجيء هذه المرة بميس آمال تقف معي في انتظاره. أخبرته أن عندي مشكلة في النظر وأنه على حسب كلامي بشوف الحاجة اتنين.. طيلة الحديث كنت أنظر للأرض ليس تأدباً مني ولكن خوفاً من أن يبين كذبي على وجهي. فقد كدت أضحك عندما رددت ميس آمال كلماتي وهي منفعلة جداً محاولة التأثير على أبي.. أبي لا يحتاج ذلك.
" طب ما قلتيش ليه يا بنتي قبل كده."
سألني ونحن في الطريق إلى البيت.
" ما أنا أصل.. أصل ما كنتش متأكدة."
" وأمتى الحالة دي بدأت ؟ "
" أ.أ.. من يومين كده.. لقيت عيني بتوجعني و.. وبعدين لقيت نفسي بشوف الحاجة اتنين".
أخذني أبي للطبيب مباشرة في نفس اليوم.
" البنت بتقول إنها بتشوف كل حاجة اتنين.."
بدا الطبيب مندهشاً .. نظر إليّ ملياً ومتسائلاً.. فكان لابد طبعاً أن أؤكد كلام أبي فأسرعت أقول ببراءة وبانزعاج في نفس الوقت.." أيوه يا دكتور أنا بشوف الحاجة اتنين.." ظل الطبيب مندهشاً.
أمرني بالجلوس على ذلك الكرسي المواجه للمرآة المعكوسة عليها لوحة العلامات المضاءة بالفلورسنت. أمرني أن أضع كفي على عيني اليسرى. فعلت. أشار بعصاه إلى العلامة الأولى, أكبر علامة. نظر إلي لبرهة قصيرة ثم سألني.. ها الفتحة فين؟ ضيقت عيني وبربشت قليلاً وبعد جهد جهيد قلت " شمال.. لأ.. لأ تحت.. مش عارفة.." العلامة كانت شمال لكن يجب أن أثبت عماي من أول علامة حتى لا يكون هناك مفر من ارتداء النظارة فأجلس جنب أسامة . أشار الطبيب إلى بضع علامات أخرى.. عكستهم كلهم تماماً حتى يئس الطبيب وأخبر والدي أن نظري ستة على ستين وأنه يجب أن أرتدي النظارة الطبية على طول وألا أخلعها مطلقاً إلا عند النوم فقط. لم أفهم ماذا يعني الرقم ستة على ستين هذا. كل ما فهمته هو أنني سأرتدي نظارة وأصبح مثل أسامة. كتمت فرحتي خوفاً من أن يشك أبي في.
أخذني أبي في نفس اليوم في المساء لشراء إطار النظارة وعمل العدسات اللازمة. اخترت إطاراً زيتي اللون عدساته تميل للإستطالة.. عندما أنظر إليه الآن أتساءل كيف اخترت إطاراً بهذا الغباء لكنني في ذلك الحين لم يكن يهمني سوى أن ألبس نظارة.. أي نظارة.
لبست النظارة. لا أرى بوضوح. ثبتها جيداً على أنفي وفركت عيني.. لا أرى جيداً. دفعتها أكثر قرب عيني.. الأشياء تهتز أمامي.
" هاه شايفه كويس دلوقت؟"
سألني أبي.
" آ.. شايفه كويس أوي طبعاً. ياه أنا شايفه كويس خالص."
مكثت طوال الطريق أبحلق فيه وأتحسسه ويدي متشبثة بيد أبي. ورغم أننا كنا نسير في شوارع وسط البلد الأكثر استواء من غيرها إلا أنني كنت أراها طالعة نازلة من خلال زجاج نظارتي. خلعت النظارة. صرخ أبي " إلبسي النظارة الدكتور قال ما تخلعيهاش خالص طول ما أنت صاحية."
" أصلها مضايقة ودني."
قلت وأنا أنظر للأرض بسرعة أحاول أن أحفظ خطوطها قبل أن تهتز ثانية وأبدأ في التحسيس.
أول ما وصلت البيت دخلت غرفتي, أخذت نفساً عميقاً وخلعتها. أردت أن أريح عيني قليلاً.. وجلست أبحلق في السقف.. وأتخيل ما سيقوله أسامة غداً.. لابد أنها ستعجبه فيحبني أكثر ويتجوزني بجد.
المفاجأة كانت عندما ذهبت إلى المدرسة صباح اليوم التالي.. جريت بعرض الحوش.. اتكعبلت في الزلط.. تخبطت في تلاميذ لم أميزهم.. نظروا إلي مندهشين " لابسة نظارة ومش شايفة" خلعتها بسرعة وبحثت عن أسامة.. درت بعينيي في الفناء كله و لدهشتي وجدته في الناحية الأخرى من الفناء.. الناحية التي كنت بها قبل أن أبحث عنه فيها . دق جرس المدرسة معلناً بدء الطوابير الصباحية جريت إلى أسامة وجذبته من يده.
" تعالى نقف في آخر الطابور."
كل التلاميذ التفتوا إلينا.. كانوا مندهشين ليس لوقوفنا في آخر الطابور بل لأننا لم نكن نسمح لأحد بأن يقف في أول الطابور.. هذه المرة تنازلنا.
" أسامة.. إيه رأيك في النظارة.. شكلي كده أحلى صح."
" شكلك عامل زي العفريت."
" إيه.. أنا لابساها عشانك."
"عشاني أنا.."
احترت ولم أدر ماذا أقول. لم أكلم أسامة طول اليوم, خاصة بعد أن سمع الولد الذي يقف أمامنا كلمة عفريت وصار يناديني بها.. يا عفريت.. يا عفريت.. وأيضاً بعد أن بدأ بقية التلاميذ ينادوني يا أم أربع عيون يا عفريت بأربع عيون وأسامة يضحك معهم عليّ.. أنا شعرت بخيبة أمل مضاعفة.
" تلعبي "ملك ولا كتابة". "
" لأ "
" تلعبي "الأسماء".
" لأ "
" طب "عريس وعروسة".
" آ.. لأ "
" أنا مش هلعب خالص مش أنا عفريت وبأربع عيون."
" أنت زعلت.. أنا كنت بهزر معاكي والله."
" برضه لأ."
" طب أصالحك أزاي."
" تبوسني.."
"ابوسك.. أنت عايزة الميس تزعق لنا تاني."
"الميس زعقت لي أنا مش أنت."
" لا يا ستي ما ليش دعوة."
"أنت جبان."
الكارثة وقتها هي أنني لم أستطع خلع النظارة مطلقاً.. ولم أستطع أبداً إخبار أبي بالحقيقة.. ماذا أقول له.. أنا أحب تلميذ معي في الفصل لابس نظارة عشان كده أنا لبست نظارة فعشان كده قلت إني بشوف الحاجة اتنين انتهى الأمر سأظل أرتديها مدى حياتي.
كنت كلما أحاول الجلوس بدونها في البيت يشخط أبي في ويأمرني بارتدائها.
" أنا مش قلتلك ما تقلعيش النظارة أبداً أنت عايزة تتعمي."
أضعها على عيني دون مناقشة.. وأحاول النظر.. إلى أن اعتادت عيناي النظر بتلك الطريقة المشوشة.. وصرت بعد سنوات لا أستطيع أن أرى الأشياء بدونها.. وبدأت أحسد أسوياء النظر على استطاعتهم الرؤية دون وساطة. ثم ظهرت العدسات اللاصقة.. كم كانت دهشتي عندما لصقتها بعيني ورأيت.. رأيت رؤية مباشرة وواضحة جداً لأول مرة منذ سنوات طويلة.. إحساس مختلف تماماً. لم أصدق أنني أرى بهذا الوضوح.. وبهذا القرب دون نظارة تضغط على أنفي وتشوه وجهي, لم أصدق أنني أستعدت الرؤية السليمة التي تنازلت عنها لسنوات طويلة لأسامة.
الخـاتمة:
والآن وبعد أن كبرت وأصبح لي الحق في ألا أضع هذه النظارة على وجهي وأن أخلع العدسات اللاصقة وقتما أشاء.. أن أترك بصري يجول كيفما يتراءى لعيني.. أنظر إلى الأشياء برؤية جديدة.. برؤية عينين قصيري النظر.. الأشياء تأخذ حيزاً أكبر من حيزها الواقعي.. حوافها غير محددة.. متداخلة مع بعض.. بمعنى أدق "سايحة على بعضها".. واكتشفت أن قصر نظري أتاح لي التمتع برؤية درجات لونية لا نهاية لها بل أحياناً أرى ألواناً قد لا يكون لها وجود في الواقع, و أصبحت أغتبط كثيراً عندما أكون بلا نظارة أو عدسات وأسأل شخصاً هل ترى ما أرى؟ فيجيب بلا.. حينئذ أشعر أنني أرى أكثر من الآخرين أسوياء النظر.. وأشعر بانجذاب أكثر إلى قصيري النظر.. هؤلاء الذين يرون الأشياء تقريباً مثلما أراها.

ليست هناك تعليقات: